السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
336
مختصر الميزان في تفسير القرآن
والقولان جميعا خارجان عن صراط الاستقامة كالمفرط والمفرط ، والحق في ذلك أن هذه الأمور التي أخبر اللّه سبحانه بإيجادها وفعلها عند الطاعة والمعصية إنما هي أمور حقيقية واقعية من غير تجوز غير أنها لا تفارق أعمالنا وعقائدنا بل هي لوازمها التي في باطنها ، وقد مر الكلام في ذلك ، وهذا لا ينافي كون قوله تعالى : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وقوله تعالى : يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ، كنايتين عن هداية اللّه سبحانه وإضلال الطاغوت ، لما تقدم في بحث الكلام أن النزاع في مقامين : أحدهما كون النور والظلمة وما شابههما ذا حقيقة في هذه النشأة أو مجرد تشبيه لا حقيقة له ، وثانيهما : أنه على تقدير تسليم أن لها حقائق وواقعيات هل استعمال اللفظ كالنور مثلا في الحقيقة التي هي حقيقة الهداية حقيقة أو مجاز ؟ وعلى أي حال فالجملتان أعني : قوله تعالى : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وقوله تعالى : يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ، كنايتان عن الهداية والاضلال ، وإلا لزم أن يكون لكل من المؤمن والكافر نور وظلمة معا ، فإن لازم إخراج المؤمن من الظلمة إلى النور أن يكون قبل الايمان في ظلمة وبالعكس في الكافر ، فعامة المؤمنين والكفار - وهم الذين عاشوا مؤمنين فقط أو عاشوا كفارا فقط - إذا بلغوا مقام التكليف فإن آمنوا خرجوا من الظلمات إلى النور ، وإن كفروا خرجوا من النور إلى الظلمات ، فهم قبل ذلك في نور وظلمة معا وهذا كما ترى . لكن يمكن أن يقال : إن الانسان بحسب خلقته على نور الفطرة ، هو نور إجمالي يقبل التفصيل ، وأما بالنسبة إلى المعارف الحقة والأعمال الصالحة تفصيلا فهو في ظلمة بعد لعدم تبين أمره ، والنور والظلمة بهذا المعنى لا يتنافيان ولا يمتنع اجتماعهما ، والمؤمن بإيمانه يخرج من هذه الظلمة إلى نور المعارف والطاعات تفصيلا ، والكافر بكفره يخرج من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والمعاصي التفصيلية ، والاتيان بالنور مفردا وبالظلمات جمعا في قوله تعالى : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وقوله تعالى : يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى